ابن كثير
23
البداية والنهاية
ضربتين فضربه علي فصرعه ، ثم انصرف ولم يجهز عليه . فقال له بعض أصحابه : أفلا أجهزت عليه ؟ فقال : إنه استقبلني بعورته ، فعطفتني عليه الرحم وعرفت أن الله قد قتله . وقد فعل ذلك علي رضي الله عنه يوم صفين مع بسر بن أبي أرطاة لما حمل عليه ليقتله أبدى له عورته فرجع عنه . وكذلك فعل عمرو بن العاص حين حمل عليه علي في بعض أيام صفين أبدى عن عورته فرجع علي أيضا . ففي ذلك يقول الحارث بن النضر : أفي ( 1 ) كل يوم فارس غير منته * وعورته وسط العجاجة باديه يكف لها عنه علي سنانه * ويضحك منها في الخلاء معاوية وذكر يونس عن ابن إسحاق : أن طلحة بن أبي طلحة العبدري حامل لواء المشركين يومئذ دعا إلى البراز فأحجم عنه الناس فبرز إليه الزبير بن العوام فوثب حتى صار معه على جمله ، ثم اقتحم به الأرض فألقاه عنه وذبحه بسيفه فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير " ( 2 ) وقال : لو لم يبرز إليه لبرزت أنا إليه لما رأيت من إحجام الناس عنه . وقال ابن إسحاق قتل أبا سعد بن أبي طلحة سعد بن أبي وقاص ( 3 ) وقاتل عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فقتل نافع ( 4 ) بن أبي طلحة وأخاه الجلاس كلاهما يشعره سهما فيأتي أمه سلافة فيضع رأسه في حجرها ، فتقول يا بني من أصابك ؟ فيقول سمعت رجلا حين رماني يقول خذها وأنا ابن أبي الأقلح . فنذرت إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر ، وكان عاصم قد عاهد الله لا يمس مشركا أبدا ولا يمسه . ولهذا حماه الله منه يوم الرجيع كما سيأتي . قال ابن إسحاق : والتقى حنظلة بن أبي عامر ، واسمه عمرو ، ويقال عبد عمرو بن صيفي ، وكان يقال لأبي عامر في الجاهلية الراهب ، لكثرة عبادته ، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق ، لما خلف الحق وأهله وهرب من المدينة هربا من الاسلام ومخالفة للرسول عليه السلام . وحنظلة الذي يعرف بحنظلة الغسيل لأنه غسلته الملائكة كما سيأتي - هو وأبو سفيان صخر بن حرب فلما علاه حنظلة رآه شداد بن الأوس ( 5 ) وهو الذي يقال له ابن شعوب فضربه شداد فقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن صاحبكم لتغسله الملائكة فاسألوا أهله ما شأنه " فسئلت صاحبته قال الواقدي : هي جميلة بنت أبي بن
--> ( 1 ) في الأصل : أتى ، وأثبت ما في الروض الأنف ج 2 / 133 . ( 2 ) الخبر في البيهقي عن يونس بن بكير ، وقال فيه : إن رجلا من المشركين ولم يسم طلحة . ( 3 ) الخبر في ابن هشام ج 3 / 78 ودلائل البيهقي 3 / 239 . وقال السهيلي : " رواه الكشي في تفسيره عن سعد قال : لما كف عنه علي طعنته في حنجرته ، فدلع لسانه اندلاع لسان الكلب ثم مات " . وكان أبو سعد قد أخذ لواء المشركين بعد مقتل طلحة كما في رواية البيهقي وذكره الواقدي - أبو سعيد وقتله سعد بن أبي وقاص . ( 4 ) في ابن هشام : مسافع ، وفي الواقدي وابن سعد مسافع بن طلحة بن أبي طلحة . ( 5 ) في ابن هشام : شداد بن الأسود . وفي الواقدي : قتله الأسود بن شعوب . وقال السهيلي في الروض : إن الذي قتل حنظلة جعونة بن شعوب الليثي مولى نافع بن أبي نافع .